اسماعيل بن محمد القونوي

307

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الآخرة وهذا على سبيل العموم كأن يقال إن الذين يرمون المحصنات الغافلات مستحلين ذلك فلعنة اللّه عليهم ويجوز اللعن على الخصوص على من علم أنه مات مصرا على ذلك ولم يتب عنه وهذا مقتضى القاعدة الشرعية ولعنوا لفظه خبر ومعناه أمر كما هو الظاهر أو التعبير بالماضي لتحقق وقوعه أو لتنزيل منتظر الوقوع كالواقع ولما حمل هذا على المستحل فلا إعادة للكلام وقيل وأعاد الكلام دفعا لما عسى أن يسبق إلى الأوهام من قصة مسطح أن قذفة عائشة رضي اللّه تعالى عنها مغفورون بالجلد والتوبة وهذا بناء على القول الأخير وهو مرجوح بالنظر « 1 » الخطير . قوله : ( كما طعنوا فيهن ) طعنا مصحوبا بالاستحلال وطعنا بالنبي عليه السّلام فالجزاء من جنس العمل فلعنهم في الدنيا مقابل لطعنهم فيهن في الدنيا ولعنهم في الآخرة مقابل لاستحلالهم القذف المحرم فيكون جزاء وفاقا فلا تغفل . قوله : ( لعظم ذنوبهم ) أي قذفهم مع استحلالهم فيكون العذاب مؤبدا فعظم العذاب بحسب الكم والكيف . قوله : ( وقيل هو حكم كل قاذف ما لم يتب ) عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قال المذكور حكم كل قاذف مستبيح طاعن في الرسول عليه السّلام وقيل حكم كل قاذف ما لم يتب سواء كان مستبيحا أو لا فيكون المراد بالعذاب العظيم ما يكون متناهيا في صورة عدم استباحته وإرادة الغير المتناهي خلاف المذهب . قوله : ( وقيل هو مخصوص بمن قذف أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنهما لا توبة له ) وقيل هو مخصوص الخ لأن جملة أزواج النبي عليه السّلام لشرفهن قوله : وقيل مخصوص بمن قذف أزواج النبي قال مقاتل هذا خاص في عبد اللّه بن أبي المنافق وروي عن خصيف قال قلت لسعيد بن جبير من قذف مؤمنة يلعنه اللّه في الدنيا والآخرة فقال ذلك لعائشة خاصة وقال قوم هي لعائشة وأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة دون سائر المؤمنات وروي عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابن عباس قال هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل اللّه له توبة ثم قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [ النور : 4 ] إلى قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا [ النور : 5 ] فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة وقال الآخرون نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [ النور : 4 ] إلى قوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ النور : 5 ] فأنزل اللّه الجلد والتوبة وإن كانت عائشة هي المرادة من الآية فلفظ المحصنات إما لدخول أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معها في هذا الحكم أو لأنها أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان .

--> ( 1 ) لأن مسطح تاب كغيره سوى ابن أبي وما تقدم مصرح بقبول توبته حيث قال تعالى : أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ الآية .